الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
181
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : أن فيما سمعتهم هداية لمن أراد اللّه له أن يهتدي ، وأما من قدّر اللّه عليه بالضلال فما له من وليّ غير اللّه يهديه أو ينقذه ، فالمراد نفي الولي الذي يصلحه ويرشده ، كقوله : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : 17 ] ، فالمراد هنا ابتداء معنى خاص من الولاية . وإضلال اللّه المرء : خلقه غير سريع للاهتداء أو غير قابل له وحرمانه من تداركه إياه بالتوفيق كلما توغل في الضلالة ، فضلاله من خلق اللّه وتقدير اللّه له ، واللّه دعا الناس إلى الهداية بواسطة رسله وشرائعه قال تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ يونس : 25 ] أي يدعو كل عاقل ويهدي بعض من دعاهم . و مَنْ شرطية ، والفاء في فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ رابطة للجواب . ونفي الولي كناية عن نفي أسباب النجاة عن الضلالة وعواقب العقوبة عليها لأن الولي من خصائصه نفع مولاه بالإرشاد والانتشال ، فنفي الولي يدلّ بالالتزام على احتياج إلى نفعه مولاه وذلك يستلزم أن مولاه في عناء وعذاب كما دل عليه قوله عقبه وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ الآية . فهذه كناية تلويحية ، وقد جاء صريح هذا المعنى في قوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ في سورة الزمر [ 23 ] وقوله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ الآتي في هذه السورة [ 46 ] . وضمير بَعْدِهِ راجع إلى اسم الجلالة ، أي من بعد اللّه كقوله تعالى : فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ في سورة الجاثية [ 23 ] . ومعنى بعد هنا بمعنى ( دون ) أو ( غير ) ، استعير لفظ بعد لمعنى ( دون ) لأن بعد موضوع لمن يخلف غائبا في مكانه أو في عمله ، فشبه ترك اللّه الضالّ في ضلاله بغيبة الولي الذي يترك مولاه دون وصي ولا وكيل لمولاه وتقدم في قوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ * في سورة الأعراف [ 185 ] وقوله : فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ في سورة يونس [ 32 ] . و مَنْ زائدة للتوكيد . ومن مواضع زيادتها أن تزاد قبل الظروف غير المتصرفة قال الحريري « وما منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف » . وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) . عطف على جملة وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ، وهذا تفصيل وبيان لما أجمل في الآيتين المعطوف عليهما وهما قوله : وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما